مصطفى صادق الرافعي
22
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
القرآن آيات منزلة من حول العرش ، فالأرض بها سماء هي منها كواكب ، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب ، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها ، وامتنعت عليه ، « أعراف » الضمائر فابتزّ « أنفالها » « 1 » . وكم صدوا عن سبيله صدّا ، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر ؟ واعترضوه بالألسنة ردا ، ولعمري من يرد على اللّه القدر ؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب « 2 » وفتحوا عليه من الحوادث كلّ شدق فيه من كل داهية ناب . فما كان إلا نور الشمس : لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه ، ويلقى الصبيّ غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور ينبسط على غطائه . وهو القرآن كم ظنوا - مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر - كل ظن في الحقيقة آثم ، بل كل ظن بالحقيقة كافر ، وحسبوه أمرا هينا لأنه أنزل في الأرض على بشر . كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضا ذات دوابّ نورانية لأن هلالها كأنما سقط من حافر ، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل ، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها « 3 » ليجعلوا نهارها كالليل ، فما كان لهم إلا ما قال اللّه : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ . ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة ، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة ، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها ، ومتى وعدت من كرم اللّه جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب وإن أوعدت بعذاب اللّه جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب . ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان ، ورقة تستروح منها نسيم الجنان ، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان . . وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير ، وتخلق في أوراقها من معاني العبرة معنى العبير ، وتهب عليها بأنفاس الرحمة
--> ( 1 ) الأعراف : الأمكنة العالية . جمع عرف ( بضم فسكون ) والأنفال : الغنائم جمع نفل ( بفتحتين ) والمراد أن ضمائر العرب امتنعت على القرآن بما استوعر فيه من العادات والأخلاق فنفذ إليها وابتزها وغلبها على أمرها والأعراف والأنفال أيضا السورتان المذكورتان في القرآن . ( 2 ) إذا تصاولت الفحول من الإبل تخاطرت بأذنابها كأنها يهدد بعضها بعضا . ( المؤلف ) . ( 3 ) أي في هذه الملة السمحة ، وهذا وصفها في الحديث الشريف ، وهو وصف دقيق بالغ .